أحمد ياسوف

93

دراسات فنيه في القرآن الكريم

في الفصول الآتية بالنظر إلى النص القرآني وجهود الدارسين أسلافا ومعاصرين . لقد رأينا أن نمهد السبيل إلى الفصول اللاحقة بهذه الفقرات التي تمثّل إطلالة على محتوى الفصول الأخرى ، فبينّا في الفقرة الأولى إمكان تفرد الكلمة الواحدة بالجمال من خلال تفاعلها مع سائر كلمات السياق ، فمنحناها الجزء الكبير من جمال التركيب على أنها الوحدة المشكلة له ، وبيّنّا أنها تتسم في القرآن بعذوبة السمع والنطق ، وبأنها غير قلقة في مكانها ، وهذا ما سيؤكده دارسو الإعجاز والمفسّرون الذين تحدّثوا عن مناسبة المقام وحلاوة النغم في الوقت نفسه . وهذا يتضح في صحّة العلاقة بين المفردة والنظم ، كما جاء في الفقرة الثانية ، وهنا لا بدّ من إنصاف عبد القاهر الجرجاني الذي بسط نظرية النظم ، وإن لم تكن من إبداع فكره ، بل سبقته بعض النظرات المتفرقة في كتب الإعجاز ، وكان مفهوم النظم القرآني قبله يشمل الأسلوب القرآني بما فيه المفردات . أما عبد القاهر فقد بنى النظم على أسس النحو فأهمل المفردة ، ويظلّ الفضل لهذا العالم الجليل الذي قدّم تطبيقا بلاغيا ، وأرسى علم البلاغة العربية ، ووضّح معالمها ، وكانت الغاية الدينية دافعا قويا في كتابه « دلائل الإعجاز » ، إذ كان حريصا على إبراز جماليات النظم القرآني ، ولم يكن هدفه فنيا محضا ، وقد كان النظم مناط الإعجاز القرآني لدى سابقيه ، ولا سيما المعتزلة منهم . ويتبيّن لقارئ « دلائل الإعجاز » أن الدفاع الديني - إن صح التعبير - قائم على أسس علمية يدعمها الذوق الرفيع بالتطبيق الوافي ، هذا ما نتمناه في كل درس أدبي يتعرض للبلاغة القرآنية . والجرجاني حقيق بأن يعد مؤسس فن التذوق الأدبي في تراثنا العربي